كتاب واراء

العلامة الشيخ علي الخطيب: حين تواجه قوةُ الإيمان حساباتِ الهيمنة… لا تُهزم الشعوب بإرهاب القوة ولا تُصان الأوطان بالاستسلام

بقلم: سعيد فارس السعيد كاتب وباحث استراتيجي مستقل،

 

 

في خطبة الجمعة، التي ألقاها العلامة المفكّر الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، يوم الجمعة ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦، لم يكن الحديث مجرد موعظة دينية أو استحضار لوقائع من التاريخ الإسلامي، بل كان طرحًا فكريًا وسياسيًا يتناول جوهر الصراع في منطقتنا، ويضع العالمين العربي والإسلامي أمام حقيقة لا يجوز تجاهلها: إن أخطر الهزائم ليست تلك التي تُفرض بالسلاح، بل تلك التي تبدأ حين تفقد الشعوب ثقتها بنفسها، وتستسلم نفسيًا لموازين القوة، وتتعامل مع إرادة المعتدي وكأنها قدر لا يمكن تغييره.

من هنا، جاءت رسالة الشيخ الخطيب واضحة في مضمونها: إن القوة العسكرية والاقتصادية والمالية، على أهميتها وضرورتها، لا تمثل وحدها المعيار النهائي لتحديد مصائر الشعوب، وإن الإيمان بالله والثبات على الحق والإخلاص في الموقف عناصر أساسية في بناء الإرادة التي لا تستطيع أدوات الترهيب والحصار والحرب النفسية كسرها بسهولة.

 

من بني النضير إلى فلسطين ولبنان… هل تكفي حسابات القوة لتقرير المصير؟

 

استحضر الشيخ الخطيب الآيات القرآنية المتعلقة ببني النضير، متوقفًا عند قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ليؤكد أن الاطمئنان إلى القوة المادية وحدها قد يتحول إلى مصدر للغرور، وأن الحسابات البشرية، مهما بدت دقيقة، لا تحيط بكل الاحتمالات ولا تستطيع أن تحكم مسبقًا على نتائج المواجهات.

وليس المقصود من هذا الاستحضار إنكار أهمية موازين القوى أو الاستعداد العسكري والاقتصادي، بل رفض تحويلها إلى ثقافة استسلام، وإقناع الشعوب بأن التفوق العسكري للخصم يعني حتمية هزيمتها، وأن المطلوب منها أن تتخلى عن حقوقها قبل أن تبدأ المواجهة.

وهنا تتجاوز دلالة الخطبة حدود التفسير التاريخي إلى واقع فلسطين ولبنان والمنطقة بأسرها. فالمشاهد المأساوية في غزة، والدمار الذي أصاب الجنوب اللبناني، وتهجير السكان، وتدمير القرى والمنازل، تكشف حجم الاختلال في موازين القوة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا:

هل استطاع التفوق العسكري أن يصنع سلامًا مستدامًا، أو أن ينهي الصراع، أو أن يمنح القوة المعتدية أمنًا واستقرارًا دائمين؟

 

إن التجارب تثبت أن القوة قد تدمّر المدن، لكنها لا تستطيع وحدها محو الذاكرة الوطنية، أو إسقاط الحقوق، أو ضمان خضوع الشعوب إلى الأبد. كما أن الصمود، مهما كانت كلفته، لا يعفي أصحابه من مسؤولية الاستعداد وحماية الناس وصون حياتهم، لكنه يؤكد أن الإرادة الوطنية لا تُقاس بحجم السلاح وحده.

 

أخطر الحروب… 

حين يتحول الإعلام إلى سلاح لإنتاج الهزيمة.

 

من أبرز ما تناوله الشيخ الخطيب تحذيره من الحرب النفسية والإعلامية، ومن الخطاب الذي يضخّم قدرات الخصم ويزرع الخوف في نفوس الشعوب، حتى تصبح الهزيمة النفسية مقدمةً لقبول الهزيمة السياسية.

فحين تُقدَّم القوة الأمريكية والغربية باعتبارها قوة مطلقة لا يمكن مواجهتها، وحين تتحول التحليلات السياسية إلى أدوات للترهيب بدلًا من فهم الوقائع وتقدير الاحتمالات، يصبح الإعلام جزءًا من معركة الوعي والإرادة، لا مجرد ناقل للأخبار.

والأخطر أن تتحول بعض المنابر الإعلامية العربية إلى منصات تروّج لثقافة العجز، أو تبرّر التنازل عن الحقوق، أو تسهم في تضخيم تهديدات الخصم من دون مساءلة أهدافه ونتائج سياساته. فالإعلام المسؤول لا يبيع الأوهام، لكنه لا يصنع اليأس أيضًا؛ بل يضع الحقائق أمام الناس، ويميّز بين التحليل الموضوعي والدعاية السياسية، وبين التحذير المسؤول ومحاولات إخضاع المجتمعات بالخوف.

إن المطلوب ليس تجاهل المخاطر أو التقليل من قدرات الخصوم، وإنما تحرير العقل العربي من فكرة أن التفوق المادي للآخرين يمنحهم حق تقرير مستقبلنا، وأن مصالحهم الاستراتيجية يجب أن تتقدم على مصالح شعوبنا وحقوقها.

 

ثرواتنا في خدمة الآخرين… وأوطاننا أسيرة الانقسام

 

انتقل الشيخ الخطيب من معادلة القوة والإيمان إلى نقد واقع العالم العربي والإسلامي، حيث تتوافر الثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية والمقدرات البشرية، لكن هذه العناصر لم تتحول إلى منظومة متكاملة تحمي المصالح المشتركة وتمنع الاستقواء الخارجي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: دول تمتلك النفط والغاز والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لكنها تعاني أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متلاحقة، فيما ترتبط مصالح القوى الكبرى بهذه الموارد والممرات ارتباطًا مباشرًا.

إن المشكلة ليست في امتلاك الآخرين للقوة وحده، بل في عجزنا عن بناء قوة مشتركة، وفي تقديم الحسابات الضيقة على المصالح الاستراتيجية البعيدة المدى.

 لقد دفعت الصراعات العربية والإسلامية، والانقسامات السياسية والطائفية، وغياب التنسيق الفعلي، إلى استنزاف موارد هائلة في مواجهات داخلية، بينما تتراجع القدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

ولذلك، فإن استعادة الثقة بالله لا تنفصل عن استعادة الثقة بالذات، ولا عن بناء المؤسسات القوية، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز المعرفة، وتحقيق الاكتفاء الممكن، وإقامة علاقات متوازنة مع العالم. فالإيمان الذي لا ينعكس على السلوك والمسؤولية والعمل يبقى شعارًا، والوحدة التي لا تتحول إلى تعاون فعلي تبقى أمنية.

إن قوة الأمة لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بقدرتها على حماية هذه الثروات، وتوظيفها لمصلحة شعوبها، ومنع تحويلها إلى سبب إضافي للتنافس والصراع والتدخل الخارجي.

لبنان أمام مفترق خطير… لا تُبنى الدولة على دفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم بعضًا

وفي الشق اللبناني من الخطبة، وجّه الشيخ الخطيب انتقادات حادة إلى مسار السلطة في التعاطي مع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أن استمرار هذا المسار من دون نتائج ملموسة، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات والأزمات الداخلية، يستدعي مراجعة جدية للخيارات المعتمدة.

كما حذّر من خطوات قد تزيد الانقسام الداخلي، ومن تحويل الخلاف حول المقاومة والسلاح إلى مواجهة بين اللبنانيين أنفسهم، في وقت لا يزال فيه الجنوب يعاني آثار العدوان والدمار والتهجير، وتحتاج فيه البلاد إلى حماية وحدتها واستعادة الاستقرار.

وهنا ينبغي التأكيد أن مسؤولية الدولة لا تتمثل في إرضاء الخارج على حساب الاستقرار الداخلي، كما لا تتمثل في إدارة الخلافات الوطنية بمنطق الغلبة أو التخوين، بل في حماية جميع المواطنين، وصون السيادة، ومنع الاعتداءات، وتأمين عودة النازحين والمهجّرين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وحماية حق الناس في الحياة والعمل والكرامة.

إن لبنان لا يحتمل فتنة جديدة، ولا يجوز أن يتحول الاختلاف في الرؤى السياسية والاستراتيجية إلى وسيلة لإضعاف مكوّناته أو استهداف فئة من أبنائه. فالتجارب اللبنانية المريرة أثبتت أن الانقسام الداخلي لا يحمي الدولة، وأن الاستقواء بالخارج لا يصنع سيادة، وأن أي مشروع سياسي يتجاهل مخاوف جزء من اللبنانيين وحقوقهم لن يستطيع بناء استقرار مستدام.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حوار وطني جدي، برعاية المؤسسات الدستورية، يشارك فيه اللبنانيون بمختلف مكوّناتهم، ويبحثون من خلاله في القضايا الخلافية، وفي الاستراتيجية الدفاعية والسياسية، وفي حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، على قاعدة التوافق الوطني وحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، لا على قاعدة الإملاء أو فرض الوقائع بالقوة.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تدفع مواطنيها إلى الصدام، بل التي تجمعهم حول مشروع وطني يحمي الجميع، ويصون الحقوق، ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي.

 

الإيمان ليس بديلًا عن القوة… بل أساسٌ للإرادة والمسؤولية.

 

من المهم قراءة رسالة الشيخ الخطيب في إطارها المتكامل. فهو لم ينفِ أهمية الإعداد والاستعداد، بل استشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ليؤكد أن الثقة بالله لا تعني التخلي عن أسباب القوة، وأن الإيمان لا يبرر الاستهانة بالمخاطر أو تجاهل متطلبات حماية المجتمع.

وهذا هو جوهر المعادلة التي تحتاج إليها مجتمعاتنا اليوم: إيمان يحرر الإنسان من الخوف، وعقل يقرأ الوقائع بموضوعية، وإرادة تتمسك بالحقوق، ومؤسسات قادرة على حماية الناس، وإعداد يحول دون الاستهانة بأمن الأوطان ومصالحها.

فليس من الحكمة أن نواجه التفوق العسكري بالإنكار، كما ليس من الحكمة أن نحول هذا التفوق إلى حجة للاستسلام. وليس من الواقعية أن نتجاهل حسابات الاقتصاد والسياسة، كما ليس من الواقعية أن نعتقد أن المصالح الدولية ثابتة إلى الأبد، أو أن موازين القوى لا تتغير.

إن التاريخ لا يصنعه السلاح وحده، ولا الإيمان بمعزل عن العمل، بل تتداخل في صناعته الإرادة والمعرفة والتنظيم والقدرة على قراءة التحولات واستثمار الفرص. ومن هنا، فإن الثقة بالله ينبغي أن تكون حافزًا للعمل المسؤول، لا ذريعة لتجاهل الأخطاء أو التهرب من المحاسبة.

 

الخلاصة: 

لا نريد شرقًا مهزومًا ولا شرقًا ممزقًا… بل شرقًا يصون كرامة الإنسان

إن الرسالة الأعمق في خطبة العلامة الشيخ علي الخطيب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية والسياسية، لتصل إلى سؤال النهضة والمصير: كيف يستعيد العالم العربي والإسلامي ثقته بنفسه، ويحمي حقوق شعوبه، ويخرج من دوامة الانقسام والتبعية والصراعات الداخلية؟

إن الطريق لا يبدأ بتضخيم قوة الخصم ولا بإنكارها، ولا بتخويف الشعوب أو دفعها إلى الاستسلام، بل ببناء الإنسان، وترسيخ الإيمان المسؤول، وتطوير العلم والاقتصاد، وتحصين المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، واحترام التنوع، والتمسك بالحقوق المشروعة.

أما في لبنان، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وعودة المهجّرين إلى قراهم، وإعادة إعمار الجنوب، وتعزيز قدرات الدولة والجيش، وفتح حوار وطني صريح يمنع الفتنة ويحفظ السيادة والكرامة. فلا يجوز أن يصبح اللبنانيون وقودًا لصراعات الآخرين، ولا أن يتحول خلافهم على سبل حماية الوطن إلى سبب لتدمير ما تبقى من وحدتهم الوطنية.

إننا نحتاج إلى إيمان يمنحنا الثبات، وعقل يمنعنا من الوقوع في الأوهام، ودولة تحمي مواطنيها، وإرادة سياسية تضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الضيقة.

فلا قوة مادية تضمن لصاحبها نصرًا دائمًا، ولا ضعف الإمكانات يفرض على الشعوب الاستسلام، ولا يمكن بناء السلام على إذلال الناس أو مصادرة حقوقهم.

تلك هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم مستقبل منطقتنا: قوةٌ تحمي ولا تطغى، وإيمانٌ يدفع إلى العمل ولا يعفي من المسؤولية، ووحدةٌ تصون التنوع ولا تلغيه، وسلامٌ يقوم على العدالة والحقوق المتبادلة، لا على الخوف والإكراه.

فالشرق الذي نريده ليس شرقًا يولد من استسلام الشعوب، ولا من ركام المدن ودموع المهجّرين، بل شرقًا يولد من تحت الرماد بإرادة الحياة، ومن وعي أبنائه، ومن إيمانهم بحقهم في الحرية والكرامة والسيادة، ومن قدرتهم على تحويل المحن إلى بداية جديدة لبناء مستقبل يسوده العدل والتعايش والاستقرار.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي